الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
330
نفحات القرآن
وأشارت الآية الثانية إلى واحدة أُخرى من العقوبات الصارمة للكفرة ، فقالت : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً » « 1 » . ثم تضيف : « كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلنَاهُمْ جُلُوداً غَيرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً » . والجملة الأخيرة هي في الحقيقة إجابة عن هذا السؤال : هل أنّ عذاباً كهذا ممكن ؟ وإن كان ممكناً فهل هو عادل ؟ ! القرآن يقول : إنّ هذا على اللَّه يسير ولا يتعارض مع حكمته أيضاً . وعُرِض بين المفسرين سؤال معروف وهو : إذا تبدّلت هذه الجلود بجلود أُخرى ، فما ذنب هذه الجلود الجديدة حتّى تتعذب ؟ طرح المفسرون الكبار إجابات متعددة عن هذا السؤال وأفضلها هو جواب الإمام الصادق عليه السلام حين أجابَ عن السؤال الذي طرحه « ابن أبي العوجاء » بعد قراءة هذه الآية : « ما ذنب الغير » ؟ فأجاب الإمام عليه السلام جواباً غنيّاً ومقتضباً : « هي هي وهي غيرها » . قال : فمثل لي في ذلك شيئاً من أمر الدنيا قال : « نعم أرأيت لو أنّ رجلًا أخذ لبنة فكسرها ثم ردّها في ملبنها فهي هي وهي غيرها » « 2 » . ووفقاً لهذه الرواية ، فإنّ جلوداً جديدة ستنشأ من الجلود الأُولى فتتغيّر الصورة مع الحفاظ على وحدة المادّة . وقال جماعة أيضاً : إن كانت الصورة والمادة غير الصورة والمادّة للجلود السابقة عندئذٍ لا تحصل أيّة مشكلة لأنّ عذاب القيامة تذوقه الروح لا الجلد ، ورأوا أنّ التعبير ب « ليذوقوا العذاب » دليل على صحة هذا القول . ولهذا السبب كثيراً ما يحصل ويرتكب الإنسان ذنباً بعضو فينزل العقاب على عضو آخر ، كأن يشرب الخمر مثلًا فيضرب ثمانين سوطاً على ظهره ، فيكون هذا في مقابل ذاك وايذاء الجسم وسيلة لايذاء الروح .
--> ( 1 ) يبدو أن تنكير النّار هنا لتبيان عظمتها . ( 2 ) تفسير نور الثقلين ، ج 1 ، ص 494 ، ح 314 .